يعتبر الرسم أحد الأساليب التعبيرية التي يملكها الإنسان ، وهو يمثل قدرة ثقافية يترفع بها عن عالم الحيوان ، مثلها في ذلك استعمال اللغة ومختلف أنواع الفنون .

ومن خلال الرسم يمكن للإنسان أن يسيطر على الموضوعات والأشياء التي يرسمها والتي تشكل له قلقاً وتوتراً . والإنسان القديم مثلاً رسم الحيوانات المفترسة مما ساعده في السيطرة عليها ومكنه من تخفيف خطرها وبالتالي أعطاه ذلك إحساساً خاصاً بالأمان والقوة .

ويعتبر التعبير والتنفيس الانفعالي من خلال التعبير عن النفس وانفعالاتها ورغباتها وتصوراتها وخيالاتها وكل مايدور في العقل والنفس .. أسلوباً مفيداً من الناحية النفسية ، وتشترك الفنون بأشكالها المتنوعة إضافة إلى التعبير اللغوي الكلامي في هذه الوظيفة التعبيرية التنفيسية .
وللتعمق في فهم الرسم يمكن طرح النقاط التالية :
1- يمكننا أن نقول أن الرسم هو استعمال " منظم للخيال والحلم " وفيه " حرية وتلقائية تعبيرية " عن مكونات النفس وعن آلامها ومعاناتها وخيالاتها من خلال الصور واللون والتشكيل والرموز .

2- وفيه يمكن " إعطاء شكل وصورة " لأشياء لا يمكن الحديث عنها في كلمات بسبب الانفعالات الشدية المرتبطة بها أو بسبب التناقضات العديدة والفوضى التي تتفاعل في داخلنا .

3- وفيه " حوار مستمر " شعوري ولا شعوري بين اللوحة والفنان الذي يرسمها ، وهو يضيف لوناً أو يعدل شكلاً إلى أن يرضى عن عمله ويعتبره منتهياً . وهنا تتوضح الجوانب الاجتماعية وقضية " التواصل مع الآخر " وتوجيه الرسائل إليه والحوار معه ومشاركته .

4- إن أي عمل فني هو " صياغة إبداعية وجديدة " تهدف إلى التعبير عن الذات بشكل توضيحي يمكن للآخر أن يستفيد منه وأن يفهمه ، وفي الوقت نفسه يمارس الفنان " تعديلاً وتجديداً " لما يتفاعل في داخله من رؤى وصور وأفكار وذكريات ومشاعر مما يمكن له أن يساهم في " إيجاد حلول فنية وعملية " لمشكلاته الخاصة والعامة .

5- الرسم هو " نوع من اللعب " بالمعنى النفسي العميق ، وفيه الترويح والتسلية واستعمال الأدوات بمهارة وفي الوقت نفسه يمكن لهذا اللعب أن يكشف معلومات هامة عن الشخصية.

6- بعضهم يرسم وهو في حالة انشراح وصفاء ويزيد الرسم من انشراحه وبهجته ، وبعضهم يرسم في حالة إكتئابية كي يسيطر على حزنه ويأسه ، وبعضهم يرسم في حالات القلق والخطر والتوتر مما يساعده على التخفيف من توتره ويعطيه استرخاءً وانتصاراً وإحساسأ بالروعة والإنجاز .

وبعضهم يرسم كي يؤكد ذاته ويثبتها وهو في حالة مشاكسة وغضب وإحباط .. وبعضهم غير ذلك .

7- إن حالات التوتر الإبداعي المرتبطة بأي عمل فني أو تعبيري لا تزال غير مفهومة تماماً .. والحساسية العصبية الفنية الخاصة مكون أساسي ولها جوانبها الوراثية والتكوينية ويمكن تدريبها وصقلها وتنميتها .. والإحباطات الكثيرة التي يتعرض لها الإنسان في طفولته الطويلة " تؤكد على الحاجة إلى الإشباع عن الطريق التخيلي والفني " إضافة إلى الإحباطات الحالية التي يتعرض لها الإنسان في مختلف مراحل حياته والتي تغذي ضرورة التعبير عنها بمختلف الأشكال العادية والفنية .

8- الفن " عمل ذو هدف " وهناك درجات من السيطرة عليه وهو بذلك يختلف عن الحلم أو الخيال ولا سيما في حال الفنانين المحترفين .ويتميز الفنان بقدرته على الدخول إلى مناطق داخلية و لا شعورية تمتلئ بالمكبوتات والرغبات والمخاوف ، وبدرجة من اليسر والمرونة لم يتعود عليها الإنسان العادي . وهو يستطيع أن يحول أشياء ثقيلة ومتناقضة وغامضة وصعبة التحمل إلى أشكال وصور يمكن فهمها واحتمالها . كما أنه يستطيع أن يتراجع إلى مراحل الطفولة وذكرياتها المتنوعة وأن يعبر عنها بدرجة من الضبط والسيطرة تخدم ذاته وشخصيته ويحافظ من خل ذلك على توازنه وصحته النفسية بشكل أفضل من الإنسان العادي الذي تعود ان يكون واقعياً عملياً يطرد من وعيه وشعوره كل مايمكن أن يعكر صفوه ويسيئ إلى مظاهر شخصيته الاجتماعية العادية .

9- الفنان يعيد إنتاج واقعه الذاتي وواقع ماحوله برؤية جمالية وفنية جديدة . ويمكن له أن يحاكي الطبيعة ومافيها ، ويمكن له أن يخلق أعمالاً وإبداعات تجعله يقارب السحرة والمشعوذين في الخيال العام.وهو يحقق " أمنيات نرجسية " في خلق الأشياء والصور مما يجعله يتبوأ منزلة خاصة تتضارب حولها الآراء بين مشجع ومؤيد وبين ناقد ومسفه .

10- والفن له جوانب اجتماعية وفكرية ودينية وهناك ضوابط عامة تتعلق بالمجتمع والثقافة وهي تتغير وفقاً للظروف والمراحل .. ويبقى الجمال والبحث عنه قيمة إنسانية هامة مثلها مثل الخير والحق والعدل تحلق فوق الظروف بعد أن ترتبط بها .

11- والرغبات الفنية يمكن اعتبارها جزءاً من الدوافع الفطرية والغريزية لدى الإنسان ويمكن تدريبها وتطويرها ، وهي ترتبط بقدرات ومهارات غريزية وحساسية عصبية عضلية خاصة تشارك فيها الحواس البصرية واللمسية والسمعية وغيرها إضافة للموكونات العقلية مثل الانتباه والذاكرة والتخيل . وتحتاج العملية الإبداعية إلى " انتباه عائم ومشتت "يناقض التفكير المنطقي المعتاد ، وإلى " أن ترى ما لا يرى " .

12- وبعض الأشخاص يبدون ميولاً فنية خاصة ، وبعضهم الآخر يتذوق الفن ولا يمارسه .


******منقول******